الشهيد الثاني

805

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أنْ يفرّغ قلبه ساعة لمشارطة النفس كما أنّ التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرّغ المجلس لمشارطته فيقول : يا نفس ، مالي بضاعة إلا العمر ، ومهما فنى فقد فنى رأس المال ، ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح ، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه ، وأنسأ في أجلي « 1 » ، وأنعم به عليّ ، ولو توفّاني لكنت أتمنّى أنْ يرجعني إلى الدنيا يوماً واحداً حتّى أعمل فيه صالحاً ، واحسبي أنّكِ تُوُفّيت ثمّ رُدِدْتِ ، فإيّاكِ ثمّ إيّاكِ أنْ تضيّعي هذا اليوم ! فإنّ كلّ نَفَس من الأنفاس هو جوهرة لا قيمة لها . [ كيفية محاسبة النفس ] واعلمي يا نفس ، أنّ اليوم والليلة أربع وعشرون ساعةً ، وقد ورد في الخبر أنّه : ينشر للعبد بكلّ يوم أربع وعشرون خزانة مصفوفة ، فيفتح له [ منها ] خزانة فيراها مملوءةً نوراً من حسناته التي عملها في تلك الساعة ، فيناله من الفرح والسرور والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسيلته عند الملك الجبّار ما لو وُزّع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الإحساس بألم النار ؛ وتفتح له خزانة أُخرى سوداء مظلمة يفوح نَتَنُها ويغشى ظلامها ، وهي الساعة التي عصى الله فيها ، فيناله من الهول والفزع ما لو قسّم على أهل الجنّة لنغّص عليهم نعيمَها ؛ وتفتح له خزانة أُخرى فارغة ليس فيها ما يسرّه ولا ما يسوؤه ، وهي الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا ، فيتحسّر على خلوّها ويناله من غبن ذلك ما ينالُ القادرَ على الربح الكثير إذا أهمله

--> « 1 » في بعض النسخ : « وأنسأني أجلي » . « نَسَأ الشيء يَنْسَؤه نَسْأً وأنْسأه : أخّره ، فعل وأفعل بمعنى ، ونَسَأَ الله في أجله ، وأنسأ أجله : أخّره » ، ( « لسان العرب » ج 1 ، ص 166 ، « نسأ » ) .